نواجه في الإمارات مشكلة بيئية تهدد ازدهارنا، ولا تتعلق بالماء، أو بالطاقة، أو بالتغير المناخي، بل بكل هذه العوامل معاً.
هناك دولتان فقط، يتجاوز معدل استهلاكهما ما نستهلكه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. كلى الدولتين لهما تعداد سكاني يتجاوز تعدادنا، ومصادر غنية من المياه السطحية العذبة.
ما هي المشكلة؟ وما سببها؟
نواجه في الإمارات مشكلة بيئية تهدد ازدهارنا، ولا تتعلق بالماء، أو بالطاقة، أو بالتغير المناخي ، بل بكل هذه العوامل معاً.
ترتبط هذه العوامل مع بعضها البعض، ولكل عامل تأثيره على الآخر. وسنتمكن من حل هذه المشاكل عن طريق مواجهة العوامل الثلاثة معاً.
فلنبدأ بالماء
لا يوجد لدينا في دولة الإمارات الأنهار والبحيرات وجداول المياه.
لدينا في الإمارات مياه جوفية، لكننا نقوم بسحبها بمعدل يفوق قدرة الأرض على التعويض، ويجب أن لا ننسى بأن معدل الأمطار لدينا لا يتجاوز 120 ملم سنوياً. وأدت احتياجاتنا المتزايدة على المياه من هذا المصدر المحدود، إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية لأكثر من متر واحد خلال العشرين سنة الماضية*.
ولكننا مازلنا نحتاج الماء.
في عام 2005، استهلكنا قرابة 4,180 مليون متر مكعب. احتل القطاع الزراعي الصدارة، حيث استهلك قرابة 2,508 مليون متر مكعب، أي حوالي 60%. وأتى الاستهلاك المنزلي في المرتبة الثانية، بمعدل استهلاك يصل إلى 1045 مليون متر مكعب، أي بحوالي 25%. أما المرتبة الثالثة، فاحتلتها الأنشطة الصناعية لتستهلك ما يقدر بـ 376 مليون متر مكعب، وبنسبة تبلغ 9%، لتأتي بعدها المساحات الخضراء باستهلاك يقدر بـ 251 مليون متر مكعب، بنسبة 6%.
نعتمد على المياه المحلاة والمياه المكررة للعديد من هذه الاستخدامات، ولا تتجاوز سعتنا الإنتاجية لهذه المياه 1504 مليون متر مكعب * سنوياً، مما يجعل قدرتنا على تلبية الطلب تحدياً مستمراً.
وبالطبع، نحتاج إلى الطاقة لإنتاج هذه الكمية من المياه.
إضافة إلى كوننا ثالث أكبر مستهلك للماء في العالم، نحتل أيضاً المرتبة الخامسة في استهلاك الطاقة عالمياً.
لا يخفى على أحد بأننا نمتلك موارد غنية للطاقة من الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي. حيث يصل مخزون النفط في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى حوالي 98 مليار برميل، أو ما يقارب 10% من مخزون النفط العالمي*؛ بينما تحتل الدولة المركز الخامس في مخزون الغاز الطبيعي. هذه المصادر تشكل الأساس في ثروة وازدهار الإمارات، ولكنها لن تدوم إلى الأبد.
وحتى لو لم تنفذ هذه المصادر، سنحتاج إلى إمكانيات هائلة لنتمكن من تحويل النفط والغاز إلى مصادر للطاقة، لكي نحافظ على معدل إنتاج قادر على مواكبة الطلب المتزايد على الطاقة.
إن الحقيقة المرة والملحة هي بأننا لا نستطيع الاستمرار بمعدلنا الحالي، لأننا سنعاني من نقص في مصادر الطاقة بكل تأكيد.
قد لا تشعر بالقلق لغاية الآن، لكن حاول أن تتخيل قضاء يوم في دولة الإمارات العربية المتحدة دون كهرباء وماء وستدرك حجم المشكلة التي ستتحول إلى واقع إن لم نقم بالمبادرة سريعاً.
أما الوجه الثالث للمشكلة فهو التغير المناحي.
بالرغم من أن التأثيرات الناتجة عن التغير المناخي تبقى في أفق أبعد قليلاً من العاملين الأولين، لا يقلل هذا من أهميتها وحجم تهديدها. نقوم في حرقنا للطاقة ببعث غازات الاحتباس الحراري، وعلى رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون، حيث تصل نسبة انبعاثه الناتجة عن عمليات حرق الوقود لتوليد الطاقة إلى 95% .
يؤدي احتباس هذه الغازات في طبقات الغلاف الجوي، إلى الحد من قدرة كوكب الأرض على التبريد، مما يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجات الحرارة. ويقدر بأن ترتفع درجة الحرارة بمقدار 1,6 درجة مئوية مع حلول عام 2050، وتتابع ارتفاعها لتصل إلى 5,9 درجة مئوية في عام 2100*. يعني ذلك بأن المناطق الحارة ستواجه مناخ أكثر حرارة من المعدل العادي.
لقد بدأ العالم يشعر بنتيجة التغير المناخي، الذي انعكس على ارتفاع مستوى مياه المحيطات والبحار في العالم. تتفاوت التقديرات والتوقعات بشكل كبير حول مقدار هذا الارتفاع، حيث يرجح البعض زيادة بمعدل 9 سم، بينما تصل تقديرات البعض الآخر إلى 88 سم وذلك على مدى خمسين سنة قادمة. وزيادة بهذا المقدار ستغمر كلاً من دبي وأبوظبي تحت الماء.
ولن يحتاج سطح البحر للوصول إلى ذلك المستوى قبل أن نعاني عواقب وخيمة ستستهدف بنيتنا التحتية وحياتنا البحرية وصحتنا واستقرارنا السياسي والاقتصادي، وبالطبع أعمالنا وازدهارنا؛ حيثلا يختلف اثنان على أنه لا يمكن لأي شركة الصمود دون توفر متطلباتها الأساسية من الطاقة والماء، ولا أحد يتوقع غير ذلك.
ببساطة، لا يمكننا الاستمرار على هذا المنوال. علينا أن نبذل قصارى جهودنا لتقليل استهلاكنا بشكل كبير، جاعلين من هذا الأمر أهم أولوياتنا.
إن تبني سياسات بيئية وهمية لأغراض ترويجية، أو ما يعرف باسم "الطلاء الأخضر"، لم يعد خياراً وارداً، بل أصبح وصمة سوداء قادرة على تدمير سمعة الشركات، بفضل زيادة وعي الأفراد وقدرتهم على التميز بين الجهود الحقيقية والجهود التي تبذل بدافع الترويج البحت.
لقد غير العديد من توجهاتهم، وباشروا بالبحث عن شركات تتمتع بسجل تاريخي إيجابي ومسؤولية ملموسة تجاه المجتمع.وهذا التاريخ في كثير من الأحيان يعد أهم الأولويات في اختيار شركة دون منافسيها.
لم يعد الالتزام بما هو بيئي ومستدام مسألة خيار. بل أصبح الآن مسالة ضمير ومسؤولية، مسألة يتمحور حولها صراعنا للبقاء.
تهدف حكومة الإمارات العربية المتحدة إلى مواجهة المشكلة باتخاذها مجموعة من الخطوات الإيجابية سعياً لإيجاد حلول فعالة. تنصب العديد من الجهود الحكومية على رفع مستوى الوعي العام، حيث بدأت المؤسسات بتشكيل شراكات فعالة مع القطاع الخاص، فاتحة المجال لتبادلٍ مفتوحٍ وحرٍ للمعلومات، بهدف جمع البيانات وقياس معدل استهلاكنا القومي.
كذلك بدأت المؤسسات المعنية بوضع معايير ومبادرات جديدة تشجع على تبني تصاميم بيئية، مثل شهادة (LEED) التي تشجع تبني العديد من الأفكار مثل أنظمة تبريد بأداء أكثر فعالية للمناطق، واستخدام خلايا ضوئية على أسطح المباني، وإنشاء مصانع لتحلية المياه تعمل بالطاقة الشمسية، وفرض مقاييس استهلاك الوقود الاقتصادي على المركبات الخفيفة المستوردة، ومحاولة استخدام الغازات المنبعثة من مواقع رمي النفايات لإنتاج الطاقة.
ولكن لا يمكن للحكومة أن تعمل بمفردها. علينا أن نشارك جميعا، وأن نضم جهودنا معاً لمواجهة هذا التحدي، وعلى كل منا تبني دوره.
فهل لك بأن تصبح بطلاً؟
*المصدر: التواصل الوطني الأولي عن دولة الإمارات العربية المتحدة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
وزارة الطاقة
دولة الإمارات العربية المتحدة


